الشيخ محمد رشيد رضا
368
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مصرا على عدم الوفاء بما وعد لكونه متحققا من أن المرأة لا تقدر أن تخاطر بنفسها إلى العودة للشكاية لوهن قواها واشتغالها بما يذهب الحاجة الوقتية أو حياء من شكاية الزوج فان كثيرا من أهل الأرياف يعدون مطالبة المرأة بنفقتها عيبا فطيعا فهي تفضل البقاء على تحمل الأتعاب الشاقة طلبا لما تقيم به بنيتها هي وبنوها على الشكاية التي توجب لها العار ؛ وربما لم تأت بالثمرة المقصودة . وغير خفى أن ارتكاب المرأة الاثم لهذه الأعمال الشاقة ومعاناة البلايا المتنوعة التي أقلها ابتذال ماء الوجه تؤثر في أخلاقها فسادا ، وفي طباعها قبحا مما يذهب بكمالها ويؤدى إلى تحقيرها عند الراغبين في الزواج ، ولربما أدت بها هذه الأمور إلى أن تبقى أيما مدة شبابها تتجرع غصص الفاقة والذل وإن خطبها رجل بعد زمن طويل من يوم الطلاق فلا يكون في الغالب إلا أقل منزلة وأصغر قدرا من بعلها السابق أو كهلا قلت رغبة النساء فيه ، ويمكث زمنا طويلا يقدم رجلا ويؤخر أخرى خشية على نفسه من عائلة زوجها السالف . فإنها تبغض أي شخص يريد زواج امرأته وتضمر له السوء ان فعل ذلك كأن مطلقها يريد أن تبقى أيما إلى الممات رغبة في نكالها وإساءتها ان طلقها كارها لها ؛ أما إذا كان طلاقها ناشئا عن حماقة الرجل لاكثاره من الحلف به عند أدنى الأسباب وأضعف المقتضيات كما هو كثير الوقوع الآن اشتد حنقه وغيرته عليها وتمنى لو استطاع سبيلا إلى قتلها أو قتل من يريد الاقتران بها وكأني بمن يقولون إن هذه المعاملة وتلك المعاشرة لا تصدر الا من سفلة الناس وأدنيائهم وأما ذو والمقامات وأهل اليسار فلا نشاهد منهم شيئا من ذلك فإنهم ينفقون مالا لبدا على مطلقاتهم وأولادهم منها وعلى نسوتهم العديدات في بيوتهم فلا ضير عليهم في الاكثار من الزواج إلى الحد الجائز والطلاق إذا أرادوا بل هو الأجمل والأليق بهم اتباعا لما ورد عنه صلّى اللّه عليه وسلّم « تناكحوا تناسلوا فانى مباه بكم الأمم يوم القيامة » وأما ما يقع من سفلة الناس فلا يصح أن يجعل قاعدة للنهي عما كان عليه عمل النبي والسلف الصالح من الأمة خصوصا وآية ( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ) لم تنسخ بالاجماع فإذا يلزم العمل بمدلولها ما دام الكتاب .